محمد بن جرير الطبري
194
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وأولى القراءتين بالصواب عندي وإن كان لكليهما عندي وجه صحيح : بمعنى : استقره الله في مستقره ، ليأتلف المعنى فيه وفي " المستودع " في أن كل واحد منهما لم يسم فاعله ، وفي إضافة الخبر بذلك إلى الله في أنه المستقر هذا والمستودع هذا وذلك أن الجميع مجمعون على قراءة قوله : ال مُسْتَوْدَعٌ بفتح الدال على وجه ما لم يسم فاعله ، فإجراء الأول ، أعني قوله : " فمستقر " عليه أشبه من عدوله عنه . وأما قوله : فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ يقول تعالى : قد بينا الحجج وميزنا الأدلة والأعلام وأحكمناها لقوم يفقهون مواقع الحجج ومواضع العبر ويفهمون الآيات والذكر ، فإنهم إذا اعتبروا بما نبهتهم عليه من إنشائي من نفس واحدة ما عاينوا من البشر وخلقي ما خلقت منها من عجائب الألوان والصور ، علموا أن ذلك من فعل من ليس له مثل ولا شريك فيشركوه في عبادتهم إياه . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ يقول : قد بينا الآيات لقوم يفقهون . القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً يقول تعالى ذكره : والله الذي له العبادة خالصة لا شركة فيه لشيء سواه ، هو الإله الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فأخرجنا بالماء الذي أنزلناه من السماء من غذاء الأنعام والبهائم والطير والوحش ، وأرزاق بني آدم وأقواتهم ما يتغذون به ويأكلونه فينبتون عليه وينمون . وإنما معنى قوله : فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فأخرجنا به ما ينبت به كل شيء وينمو عليه ويصلح . ولو قيل معناه : فأخرجنا به نبات جميع أنواع النبات فيكون كل شيء هو أصناف النبات ، كان مذهبا وإن كان الوجه الصحيح هو القول الأول . وقوله : فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً يقول : فأخرجنا منه يعني من الماء الذي أنزلناه من السماء خضرا رطبا من الزرع والخضر : هو الأخضر ، كقول العرب : أرنيها نمرة أركها مطرة ، يقال : خضرت الأرض خضرا وخضارة ، والخضر : رطب البقول ، ويقال : نخلة خضيرة : إذا كانت ترمي ببسرها أخضر قبل أن ينضج ، وقد اختضر الرجل واغتضر : إذا مات شابا مصححا ، ويقال : هو لك خضرا مضرا : أي هنيئا مريئا . قوله : نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً يقول : نخرج من الخضر حبا ، يعني : ما في السنبل ، سنبل الحنطة والشعير والأرز ، وما أشبه ذلك من السنابل التي حبها يركب بعضه بعضا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً فهذا السنبل . القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ يقول تعالى ذكره : ومن النخل من طلعها قنوان دانية ؛ ولذلك رفعت " القنوان " . والقنوان : جمع قنو ، كما الصنوان : جمع صنو ، وهو العذق ، يقال للواحد : هو قنو وقنو وقنا : يثنى قنوان ، ويجمع قنوان وقنوان ، قالوا في جمع قليله : ثلاثة أقناء ، والقنوان : من لغة الحجاز ، والقنوان : من لغة قيس ؛ وقال امرؤ القيس : فأثت أعاليه وآدت أصوله * ومال بقنوان من البسر أحمرا